تايجر تياجاراجان..مهندس الرقمنة والذكاء الاصطناعي في جينباكت

يُعد تايجر تياجاراجان أحد أبرز الشخصيات العالمية في صناعة خدمات التعهيد والتحول الرقمي، ويُنسب إليه الفضل في تحويل شركة جينباكت من ذراع خدمات تابع لجنرال إليكتريك إلى واحدة من أكبر مقدمي الخدمات المهنية والتعهيد والتحول الرقمي في العالم.
ولد تياجاراجان في الهند، وحصل على درجة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية من المعهد الهندي للتكنولوجيا في مبومباي، قبل أن ينتقل إلى دراسة إدارة الأعمال ويحصل على درجة الماجستير في التمويل والتسويق من Indian Institute of Management Ahmedabad، وهي واحدة من أكثر المؤسسات التعليمية شهرة في آسيا.
بدأ حياته المهنية في عدد من الشركات العالمية، من بينها يونيليفر وسيتي بنك، حيث اكتسب خبرات متنوعة في مجالات الإدارة والتمويل والخدمات المصرفية. غير أن نقطة التحول الحقيقية في مسيرته جاءت مع انضمامه إلى جنرال إليكترتك منتصف التسعينيات.
داخل جنرال إلكتريك، تدرج تياجاراجان في عدد من المناصب القيادية المرتبطة بإدارة المخاطر والعمليات والخدمات المالية، وهي التجربة التي ساهمت في تكوين رؤيته المستقبلية حول كيفية تحسين كفاءة المؤسسات عبر توحيد العمليات والاستفادة من التكنولوجيا.
من مشروع داخلي إلى شركة عالمية
مع نهاية التسعينيات، كانت جنرال إلكتريك تبحث عن وسائل أكثر كفاءة لإدارة عملياتها التشغيلية حول العالم. ومن هنا ولدت شركة GECIS، التي تحولت لاحقًا إلى Genpact، باعتبارها ذراعًا متخصصًا في إدارة العمليات والخدمات المشتركة.
كان تياجاراجان أحد القيادات الرئيسية التي شاركت في بناء هذا الكيان منذ مراحله الأولى. وبين عامي 1999 و2002، تولى قيادة الشركة خلال مرحلة حاسمة من نموها، واضعًا اللبنات الأساسية لنموذج أعمال قائم على تقديم خدمات تشغيلية عالية الكفاءة للشركات الكبرى.
ومع انفصال الشركة تدريجيًا عن جنرال إلكتريك وتحولها إلى كيان مستقل، عاد تياجاراجان إلى الشركة بعد فترة عمل داخل GE Capital بالولايات المتحدة، ليواصل رحلة الصعود داخل المؤسسة حتى تولى منصب الرئيس التنفيذي في عام 2011.
قيادة مرحلة التحول الكبرى
عندما تسلم تياجاراجان قيادة Genpact، كانت صناعة التعهيد العالمية تشهد تحولات متسارعة. فالشركات لم تعد تبحث فقط عن خفض التكاليف التشغيلية، بل أصبحت تطالب بشركاء قادرين على تحسين الأداء وخلق قيمة مضافة من خلال التكنولوجيا والبيانات.
أدرك تياجاراجان مبكرًا هذا التحول، وبدأ في إعادة توجيه استراتيجية الشركة بعيدًا عن نموذج التعهيد التقليدي نحو خدمات أكثر تطورًا تشمل التحليلات المتقدمة والأتمتة والذكاء الاصطناعي والاستشارات الرقمية.
وخلال أكثر من 13 عامًا على رأس الشركة، تضاعفت أعمال Genpact بصورة ملحوظة، ووسعت حضورها الجغرافي في عشرات الدول، كما ارتفع عدد موظفيها إلى أكثر من 130 ألف موظف حول العالم، لتصبح واحدة من أكبر الشركات المتخصصة في إدارة العمليات والخدمات الرقمية.
الرهان المبكر على الذكاء الاصطناعي
قبل سنوات من الطفرة العالمية الحالية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، كان تياجاراجان من بين الأصوات الداعية إلى دمج الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات في صميم العمليات التشغيلية للمؤسسات.
وكان يرى أن مستقبل الشركات لن يعتمد فقط على حجم استثماراتها أو انتشارها الجغرافي، وإنما على قدرتها على تحويل البيانات إلى قرارات أكثر دقة وسرعة. لذلك استثمرت Genpact تحت قيادته في بناء منصات تحليلية متقدمة وتطوير حلول تعتمد على التعلم الآلي والأتمتة الذكية.
هذه الرؤية ساعدت الشركة على تعزيز مكانتها كشريك استراتيجي للعديد من المؤسسات العالمية العاملة في قطاعات الخدمات المالية والتصنيع والتجزئة والرعاية الصحية.
قائد يؤمن بالمواهب قبل التكنولوجيا
ورغم ارتباط اسمه بالتحول الرقمي، فإن المقربين من تياجاراجان يؤكدون أن اهتمامه الأكبر كان دائمًا منصبًا على العنصر البشري.
فخلال سنوات قيادته للشركة، ركز على بناء ثقافة مؤسسية قائمة على التعلم المستمر وتطوير المهارات وإعداد قيادات الصف الثاني. وكان يؤمن بأن التكنولوجيا مهما بلغت من تطور لا يمكن أن تحقق نتائج مستدامة دون وجود كوادر قادرة على توظيفها بكفاءة.
كما عُرف بدعمه لمبادرات التنوع والشمول داخل بيئة العمل، وحرصه على تمكين الكفاءات الشابة ومنحها فرصًا أكبر للمشاركة في صنع القرار.
إرث يتجاوز حدود الشركة
في فبراير 2024، أنهى تياجاراجان رحلته التنفيذية مع Genpact بعد أكثر من عقد على رأس الشركة، تاركًا وراءه مؤسسة أكثر قوة وتنوعًا وقدرة على المنافسة في سوق عالمي سريع التغير.
إلا أن تأثيره لم يتوقف عند حدود الشركة، إذ لا يزال يلعب أدوارًا مؤثرة من خلال عضوية مجالس إدارة عدد من الشركات العالمية، إضافة إلى تقديم المشورة للمؤسسات الاستثمارية وشركات الاستشارات الكبرى في مجالات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي واستراتيجيات النمو.
ويعتبر كثير من المتابعين أن تايجر تياجاراجان يمثل نموذجًا للجيل الجديد من القادة الذين جمعوا بين الخبرة التشغيلية العميقة والرؤية التكنولوجية بعيدة المدى، وهو ما مكنه من الإسهام في إعادة تشكيل واحدة من أسرع الصناعات نموًا في الاقتصاد العالمي.
وبينما تتسابق الشركات اليوم للاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي والأتمتة، تبقى تجربة تياجاراجان مثالًا على أن النجاح لا يتحقق بمجرد تبني التكنولوجيا، بل عبر امتلاك رؤية واضحة لكيفية توظيفها في بناء مؤسسات أكثر كفاءة وقدرة على الابتكار. وهي الرؤية التي جعلت اسمه يرتبط على مدار سنوات طويلة بمسيرة التحول التي شهدتها صناعة التعهيد العالمية، ورسخت مكانته كأحد أبرز روادها وأكثرهم تأثيرًا.



