الوكلاء غير المجدولين.. نموذج مرن لمواجهة ذروة الاتصالات خلال الأزمات والحروب والمواسم السياحية
تواجه مراكز الاتصال حول العالم تحديات متزايدة في إدارة الارتفاعات المفاجئة في حجم الاتصالات، سواء خلال المواسم السياحية المزدحمة أو في أوقات الأزمات والحروب والاضطرابات التي تؤدي إلى تدفق كبير من استفسارات العملاء.
وفي ظل هذه التقلبات الحادة، بدأت بعض الشركات في تبني نماذج تشغيلية أكثر مرونة تسمح لها بالتعامل مع هذه الزيادات المفاجئة دون الحاجة إلى توظيف أعداد كبيرة من الموظفين بشكل دائم.
وفي هذا السياق، اتجهت شركة الطيران الأمريكية Sun Country Airlines إلى تطبيق نموذج تشغيلي جديد داخل مركز خدمة العملاء يعتمد على ما يُعرف بـ«الوكلاء غير المجدولين»، أو ما تطلق عليهم الشركة داخليًا اسم “Floaters”.
ويقوم هذا النموذج على إنشاء مجموعة من الموظفين بدوام جزئي لا يرتبطون بجداول عمل أسبوعية ثابتة، بل يختارون ساعات عملهم وفقًا لاحتياجات التشغيل الفعلية.
وجاءت هذه المبادرة استجابة للتقلبات الكبيرة في حجم الاتصالات التي تواجهها الشركة، خاصة خلال مواسم السفر المرتفعة، أو عند حدوث اضطرابات في حركة الطيران نتيجة الأحوال الجوية أو الأحداث الجيوسياسية التي قد تؤثر على حركة المسافرين وتؤدي إلى ارتفاع مفاجئ في طلبات الدعم وخدمة العملاء.
ويتيح هذا النظام للوكلاء اختيار ساعات العمل من بين المناوبات المتاحة داخل نظام إدارة القوى العاملة، كما يمكنهم تغطية المناوبات التي يرغب زملاؤهم في استبدالها أو التخلي عنها.
وبذلك، لا يلتزم هؤلاء الموظفون بجدول أسبوعي ثابت، بل يعملون وفقًا للفرص المتاحة وحجم الطلب الفعلي على الخدمة.
وفي التطبيق العملي، يعمل هؤلاء الوكلاء عادة ما بين 7 و8 ساعات أسبوعيًا خلال الفترات الهادئة، بينما يمكنهم زيادة ساعات عملهم لتصل إلى نحو 20 ساعة أسبوعيًا خلال فترات الذروة، سواء في المواسم السياحية أو أثناء الأزمات المفاجئة.
ويتيح ذلك للشركة مضاعفة قدرتها التشغيلية في مركز الاتصال دون الحاجة إلى الدخول في دورات توظيف مكلفة أو مواجهة مشكلة نقص الموظفين عند ارتفاع الطلب.
كما لعبت استراتيجية العمل عن بُعد دورًا مهمًا في نجاح هذا النموذج، حيث أتاح الاعتماد الكامل على التشغيل عن بعد مرونة أكبر في تنظيم ساعات العمل وإتاحة الفرصة لتجربة أنماط توظيف غير تقليدية.
وفي هذا الإطار، أوضح Jeremy Hyde، مدير خدمات العملاء بالشركة، أن نموذج العمل عن بُعد منح المؤسسة القدرة على إدارة القوى العاملة بطريقة أكثر مرونة، خاصة في ظل التقلبات الكبيرة في حجم الاتصالات على مدار العام.
وأشار إلى أن الهدف من إنشاء مجموعة الوكلاء غير المجدولين هو تمكين مركز الاتصال من زيادة أو تقليص عدد العاملين بسرعة وفقًا لحجم الطلب، سواء خلال مواسم السفر المزدحمة أو في حالات الطوارئ التي تشهد ارتفاعًا مفاجئًا في استفسارات العملاء.
ولم تقتصر فوائد هذه المبادرة على تعزيز المرونة التشغيلية فحسب، بل امتدت أيضًا إلى دعم بقية فريق العمل. فقد أصبح من الأسهل على الموظفين الآخرين تبديل مناوباتهم أو التخلي عنها عند الحاجة، حيث يتولى الوكلاء الغير منتظمون عادة تغطية تلك الساعات، وهو ما ساهم في تقليل حالات الغياب المفاجئ وتحسين الالتزام بالجداول التشغيلية.
كما لاحظ المديرون تحسنًا في موثوقية الجداول اليومية، إذ أصبح من المرجح بشكل أكبر أن يتوفر العدد المطلوب من الموظفين في كل وردية عمل، الأمر الذي انعكس إيجابيًا على استمرارية تقديم الخدمة للعملاء وخفف الضغط على فرق تخطيط القوى العاملة.
ورغم النجاح الذي حققته التجربة، واجهت المبادرة في بدايتها بعض التحديات، كان أبرزها صعوبة تنظيم جلسات التدريب والتطوير المهني للوكلاء غير المجدولين بسبب عدم امتلاكهم جداول عمل ثابتة.
إلا أن الإدارة تمكنت من معالجة هذه المشكلة عبر الاتفاق مع الوكلاء على تخصيص موعد ثابت شهريًا لجلسات المتابعة والتطوير، بما يضمن استمرار التواصل المهني دون التأثير على مرونة النظام.
كما أبدى بعض المديرين في البداية قلقًا بشأن فقدان جزء من السيطرة على عملية التخطيط للقوى العاملة، خاصة أن الوكلاء يختارون ساعات عملهم بأنفسهم.
لكن مع مرور الوقت، تبين أن هذا النموذج لا يقلل من السيطرة التنظيمية، بل يوفر مزيجًا متوازنًا بين المرونة والانضباط التشغيلي.
وبعد نحو 6 أشهر من تطبيق المبادرة، بدأت نتائجها الإيجابية تظهر بوضوح، ما دفع الشركة إلى التفكير في توسيع نطاقها خلال المرحلة المقبلة.
فحاليًا يشكل الوكلاء غير المجدولين أقل من 10% من إجمالي القوى العاملة في مركز الاتصال، إلا أن هناك خططًا لزيادة هذه النسبة تدريجيًا.
وتهدف الشركة من هذا التوسع إلى تعزيز قدرتها على التعامل مع الارتفاعات المفاجئة في حجم الاتصالات، سواء خلال المواسم السياحية أو في أوقات الأزمات والأحداث الطارئة، من خلال توسيع قاعدة الموظفين المدربين القادرين على العمل عند الحاجة.
ويعكس هذا النموذج توجهًا متزايدًا في قطاع مراكز الاتصال نحو تبني أنماط تشغيل أكثر مرونة تسمح بالتعامل بكفاءة مع التقلبات الحادة في الطلب، بما يضمن استمرار تقديم الخدمة بجودة عالية حتى في أصعب الظروف التشغيلية.



