شركات تعهيد تطرح مطالبها علي مائدة وزير الاتصالات الجديد رأفت هندى

تقف صناعة التعهيد والخدمات الرقمية في مصر أمام فرصة ذهبية لتعزيز مكانتها كمركز إقليمي وعالمي للخدمات المتقدمة، في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها الاقتصاد الرقمي عالميًا.
فمع تسارع الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي والأتمتة، وتنامي الطلب على الخدمات متعددة اللغات والخدمات المعرفية المتخصصة، تتوافر أمام مصر مقومات قوية تُمكّنها من تحقيق قفزة نوعية في هذا القطاع الحيوي.
وقد أثبتت السنوات الماضية قدرة السوق المصرية على النمو السريع، مدعومة بقاعدة بشرية شابة ومؤهلة، وبنية تحتية تكنولوجية تتحسن باستمرار، واهتمام حكومي واضح بدعم صناعة التعهيد.
ومع تولي المهندس رأفت هندي وزير الاتصالات تكنولوجيا المعلومات مهامه، تتطلع شركات القطاع إلى مرحلة جديدة من التعاون والشراكة الاستراتيجية مع الحكومة، تقوم على رؤية واضحة لتعظيم القيمة المضافة وزيادة صادرات الخدمات الرقمية.
ويؤكد عدد من رؤساء الشركات والخبراء الذين تحدثت معهم نشرة “تعهيد” أن التركيز على تطوير المهارات المتخصصة، وإعادة هيكلة الحوافز لتشجيع الوظائف عالية القيمة، وتسريع الإجراءات التنظيمية، ودعم الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يفتح آفاقًا أوسع للنمو المستدام.
ويرى الخبراء أن هذه اللحظة تمثل فرصة تاريخية لتحويل مصر من مركز يعتمد على الميزة السعرية إلى مركز إقليمي متقدم يقود تقديم الخدمات الرقمية عالية الجودة في المنطقة.
محمد عيسى: يجب تمثيل الصناعة داخل مجلس إدارة”إيتيدا”..وإطلاق حملة إعلامية لإبراز قصص النجاح ومسارات الترقي
قال الدكتور محمد عيسى، رئيس مجموعة اتصال الدولية ، إن صناعة خدمات التعهيد في مصر شهدت نموًا لافتًا خلال السنوات الماضية مدفوعًا بتوسع برامج التدريب، وجذب استثمارات جديدة، وانتشار المراكز خارج القاهرة ، مؤكدا أن هذا الزخم أسّس لمرحلة مهمة في مسار القطاع إلا أن المرحلة القادمة تختلف طبيعتها من التوسع افقيا علي الكم للتركيز راسيا علي الكيف حيث ان المنافسة لم تعد على “العدد”، بل على “القيمة”.
وأوضح عيسي أن التساؤل الأهم اليوم ليس كم مركز اتصال تم افتتاحه ولكن ما هي مستوى الخدمات التي تُصدَّر؟ وما نوع المسار المهني الذي يُبنى للشباب داخل هذه الصناعة؟ ، منوها أنه مع تولي المهندس رأفت هندي زمام إدارة القطاع تبرز فرصة لإعادة صياغة الأولويات من البناء علي ماسبق تحقيقه الي الانتقال به إلى مستوى أعمق وأكثر تأثيرًا واستدامة.
وأضاف أنه يجب التركيز علي التحول من الكم إلي النوع داخل صناعة التعهيد ، مشيرا إلي المرحلة الأولي من نمو هذا النشاط اعتمدت بشكل كبير علي خدمات الدعم الصوتي والمستوى التشغيلي الأول وكذلك الثاني (L1) (L2) ، وهو أمر كان ضروريًا لتأسيس قاعدة تشغيل واسعة لكن التجارب الدولية أثبت أن الاستدامة الحقيقية تتحقق حين تنتقل الصناعة تدريجيًا إلى خدمات معرفية أعلى قيمة مثل التحليلات، وإدارة العمليات المتقدمة، والأمن السيبراني، وخدمات الذكاء الاصطناعي (L3).

واستشهد رئيس مجموعة اتصال الدولية بتجربة الهند في التحول من كونها مركزًا للاتصالات إلي بناء منظومات تصديرية كاملة عبر كيانات دعمت التحول نحو خدمات معرفية عالية التعقيد ، معتبرا أن الفارق الجوهري لم يكن في الأجور، بل في مستوى الخدمة المُقدمة.
وتابع قائلا : بالنسبة لمصر، فهذا يعني إعادة توجيه جزء من الحوافز ليكون مرتبطًا بمستوى الخدمة والقيمة المضافة، وليس بعدد الوظائف والتدريب فقط. فكلما ارتفع متوسط المهارة، ارتفع متوسط الأجر، وتعززت استدامة الصناعة.
ولفت إلي أنه يجب أيضا بناء شراكة أعمق بين صانع القرار والصناعة خاصة وأنه مع قيام هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات ” إيتيدا ” بدور محوري في دعم القطاع ومع توسع الصناعة وتعقد احتياجاتها فإنه قد يكون من المفيد افتراح تعزيز تمثيل القطاع الخاص داخل مجلس إدارتها، بعضوية فاعلة لشخصيات تنفيذية تمثل الصناعة من شركات تشغيل فعلية
ونوه أن هذا النموج ليس جديدا فعلي سبيل المثال اعتمدت الفلبين على بناء شراكة وثيقة بين الدولة والصناعة من خلال Philippine Economic Zone Authority، حيث أسهم وجود ممثلين عمليين عن القطاع في تقليص الفجوة بين السياسات واحتياجات السوق الفعلية.
وأكد أن وجود صوت تشغيلي داخل دوائر اتخاذ القرار لا يعني خصخصة التوجه، بل تسريع آليات التنفيذ، وتحقيق اتساق أكبر وأقرب .
ورأي أن صناعة خدمات التعهيد في مصر مازالت تعاني من فجوة في صورتها الذهنية لدى شريحة من الشباب والأسر ايضا إذ يُنظر إليها أحيانًا كوظيفة انتقالية، لا كمهنة ذات مسار متطور طويل الأجل، إلا أن الحقيقة مختلفة تماما عن هذه الانطباعات السائدة إذ يوفر العمل في هذه الصناعة للشباب إتقان لغات أجنبية بمستوى احترافي ومهارات تواصل دولية وقدرة على إدارة الضغط ، بالإضافة إلي انضباط تشغيلي وفهم بيئات العمل متعددة الجنسيات ومعرفة عامة لصناعات ونشاطات مختلفة .
وشدد عيسي علي ضرورة إطلاق حملة إعلامية وطنية تبرز قصص النجاح ومسارات الترقي والتحول من موظف مبتديء إلي مدير عمليات أو خبير تقني جنبا إلي جنب مع استمرار عمليات التدريب والتأهيل العملي ، مطالبا بأهمية التركيز أيضا علي دمج الصناعة مبكرًا داخل الجامعات عبر أيام مهنية متخصصة وتدريب إلزامي يمكن أن يعيد تموضعها في وعي الطلاب.
وقال إن الشركات اليوم تتنافس عالميا على جذب العقول الشابة لبناء قاعدة كبيرة مؤهلة توفي الطلب اللازم .
ورأي أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون صناعة تمكين لا مجرد تصدير فالتعهيد لم يعد قطاعًا تصديريًا فقط، بل أصبح أداة تمكين اجتماعي واقتصادي. فهو يفتح أبواب الدخل الدولي أمام خريجين من مختلف التخصصات، ويمنح فرصًا حقيقية للنمو المهني السريع لذلك لابد من تحفيز التحول نحو خدمات أعلى قيمة و تعميق الشراكة المؤسسية بين الدولة والقطاع ، إلي جانب الاستثمار في الصورة الذهنية والوعي المجتمعي وأخيرا ربط التدريب المباشر باحتياجات الشركات
وأفاد أنه إذا نجحت هذه المعادلة، فلن تكون مصر فقط وجهة جاذبة للتعهيد، بل منصة إقليمية للخدمات المعرفية ، مشيرا إلي أن التحدي لم يعد في إثبات أن مصر قادرة ولكن في ضمان الاستدامة والانتقال الي مرحلة إثبات أنها قادرة على المنافسة في المستوى الأعلى للقيم المضافة .
ورأي أن مصر تمتلك بنية أساسية متطورة وكوادر شابة مؤهلة تجعل من صناعة خدمات التعهيد قطاعا واعدا وركيزة استراتيجية للاقتصاد الرقمي الوطني .
أحمد أبو الدهب: 6 مقترجات ضرورية لدعم وتنمية الصناعة
أكد أحمد أبو الدهب، الرئيس التنفيذي لشركة «بي دي أوه إسناد»، أن صناعة التعهيد والخدمات الرقمية تمر بمرحلة مفصلية عالميًا، مدفوعة بتسارع الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي والأتمتة، وارتفاع الطلب على الخدمات متعددة اللغات والخدمات المعرفية المتخصصة.
وأوضح أن هذا التحول يفرض على الدول التي تسعى للحفاظ على تنافسيتها، وفي مقدمتها مصر، إعادة صياغة نموذجها التشغيلي بما يتوافق مع المعايير الجديدة للسوق العالمية.
وأشار إلى أن مصر تمتلك مقومات قوية تؤهلها لمواصلة دورها كمركز إقليمي وعالمي في مجال التعهيد، في ظل توافر قاعدة بشرية شابة، وتكلفة تشغيل تنافسية، وتحسن ملحوظ في البنية التحتية التكنولوجية، إلى جانب دعم حكومي واضح خلال السنوات الماضية.
إلا أن المرحلة المقبلة، بحسب أبو الدهب، تتطلب الانتقال من نموذج يعتمد على انخفاض التكلفة وعدد المقاعد التشغيلية، إلى نموذج يرتكز على القيمة المضافة والخدمات الرقمية المتقدمة.
وأوضح أن الصناعة تواجه تحديات رئيسية، أبرزها التحول العالمي من خدمات مراكز الاتصال التقليدية إلى خدمات رقمية قائمة على الذكاء الاصطناعي والتحليلات، فضلًا عن تصاعد المنافسة من أسواق شرق أوروبا والهند وأفريقيا، ووجود فجوة في مهارات اللغات النادرة والخدمات المتخصصة.
كما لفت إلى الحاجة لتسريع الإجراءات التنظيمية وتحسين بيئة الأعمال لمواكبة سرعة تطور القطاع عالميًا.
وفي هذا الإطار، طرح مجموعة من المطالب والاحتياجات التي يرى أنها ضرورية من الحكومة والوزير الجديد رأفت هندي، لضمان استمرار النمو وتحقيق نقلة نوعية في الأداء.
أولًا، إطلاق استراتيجية وطنية معلنة، تتضمن مستهدفات واضحة لزيادة صادرات الخدمات الرقمية، مع تحديد الأسواق ذات الأولوية مثل أوروبا ودول الخليج وأمريكا الشمالية.
وجود رؤية رسمية واضحة يعزز ثقة المستثمرين ويشجع الشركات العالمية على التوسع طويل الأجل داخل السوق المصرية.
ثانيًا، إعادة هيكلة منظومة الحوافز الحكومية، بحيث يتم الانتقال من نموذج «الحوافز المرتبطة بعدد المقاعد» إلى «حوافز مرتبطة بالقيمة المضافة ومتوسط الأجور».
هذا التحول من شأنه تشجيع الشركات على خلق وظائف عالية المهارة ورفع جودة الخدمات، بدلًا من التركيز على التوسع الكمي منخفض القيمة.
ثالثًا، الاستثمار المكثف في تنمية رأس المال البشري، باعتباره التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة.
وطالب بإطلاق برامج تدريب مشتركة بين الحكومة والقطاع الخاص لتطوير مهارات اللغات النادرة مثل الألمانية والإيطالية والإسبانية، إلى جانب التدريب على أدوات إدارة تجربة العملاء الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والأتمتة.
بالاضافة لضرورة دعم جزئي لتكلفة تدريب الموظفين الجدد خلال أول 3 إلى 6 أشهر من التوظيف، وإنشاء مسارات اعتماد مهني معترف بها دوليًا في مجالات التعهيد والخدمات الرقمية.
رابعًا، توفير برامج تمويل ميسر أو منح لدعم استثمارات الشركات في منصات الذكاء الاصطناعي وأدوات الأتمتة، بما يساعد على تسريع التحول الرقمي داخل مراكز الاتصال، ويعزز القدرة التنافسية إقليميًا وعالميًا.
خامسًا، تحسين بيئة ممارسة الأعمال من خلال تسريع إصدار تصاريح العمل للخبراء والمدربين الأجانب، وتبسيط إجراءات التحويلات الأجنبية، والرقمنة الكاملة للتعاملات بين الشركات والجهات الحكومية، بما يقلل البيروقراطية ويزيد من كفاءة التشغيل.
سادسًا، دعم التوسع خارج القاهرة الكبرى عبر حوافز إضافية للاستثمار في المحافظات، مع ضمان استقرار خدمات الإنترنت والكهرباء، والترويج الدولي لهذه المناطق كمراكز تشغيل منخفضة التكلفة وذات استقرار وظيفي أعلى.
هذا التوجه يسهم في خلق فرص عمل مستدامة ويحد من معدلات الدوران الوظيفي.
واختتم أبو الدهب بالتأكيد على أن صناعة التعهيد في مصر أمام فرصة تاريخية للتحول إلى مركز إقليمي وعالمي للخدمات الرقمية المتقدمة، لكن تحقيق هذه الفرصة يتطلب شراكة استراتيجية حقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص، تقوم على التحول من نموذج يعتمد على التكلفة فقط إلى نموذج يقوم على القيمة، الابتكار، والاستدامة طويلة الأجل.

أحمد بهجت:ضرورة التنسيق بين قيادات الصناعة والوزير لوضع رؤية تعالج التحديات التشغيلية والاستثمارية
ودعا أحمد بهجت، نائب رئيس شركة VXI للعمليات في مصر وأفريقيا والشرق الأوسط سابقًا، وخبير تكنولوجيا المعلومات، إلى إطلاق حوار موسع يجمع بين الحكومة وممثلي وخبراء صناعة التعهيد، بهدف وضع استراتيجية واضحة تحدد أولويات المرحلة المقبلة، وتضمن استدامة نمو القطاع في ظل المنافسة الإقليمية المتزايدة.
وأكد بهجت أن المرحلة الحالية تتطلب تنسيقًا مباشرًا بين قيادات الصناعة ووزير الاتصالات، لوضع رؤية متكاملة تعالج التحديات التشغيلية والاستثمارية التي تواجه شركات التعهيد، خاصة مع توسع الطلب العالمي على خدمات مراكز الاتصال وخدمات تكنولوجيا المعلومات العابرة للحدود.
وأوضح أن من أبرز الملفات التي تحتاج إلى معالجة عاجلة تسهيل إجراءات الحوكمة، بما يختصر الوقت والتكلفة على الشركات ويعزز قدرتها على التوسع وجذب تعاقدات جديدة من الأسواق الخارجية.
وأشار إلى أهمية توفير مساحات ومقار تشغيل إضافية للشركات في المناطق التي تفضلها أو ترغب في التواجد بها، سواء داخل القاهرة الكبرى أو في المحافظات التي تشهد نمواً في نشاط التعهيد.
كما شدد بهجت على ضرورة تفعيل الدور الرقابي المرتبط برخصة تشغيل خدمات العملاء التي أطلقتها الحكومة مؤخرًا، بحيث لا يقتصر الأمر على منح التراخيص، بل يمتد إلى متابعة معايير التشغيل، وعلى رأسها متوسط مرتبات موظفي اللغات المختلفة، والتي تشهد تفاوتًا كبيرًا بين الشركات.
وأوضح أن غياب ضوابط واضحة قد يؤدي إلى منافسة سعرية مفرطة تضر بالصناعة ككل، سواء من حيث ارتفاع التكاليف بصورة غير مستدامة أو من حيث تسارع وتيرة انتقال الموظفين بين الشركات.
وأكد على أن تنظيم السوق بشكل متوازن، يضمن عدالة المنافسة ويحافظ على جاذبية القطاع للاستثمارات الأجنبية، وهو الطريق الأمثل للحفاظ على مكانة مصر كمركز إقليمي لصناعة التعهيد وخدمات العملاء.




