هل العمل المرن ميزة في طريقها للاختفاء داخل مراكز الاتصال؟
لم يعد العمل المرن مجرد مصطلح إداري رائج، بل كان حتى وقت قريب أحد أبرز ملامح مستقبل بيئة العمل، خصوصًا داخل مراكز الاتصال التي تُعد من أكثر القطاعات ضغطًا واعتمادًا على العنصر البشري.
خلال سنوات الجائحة، تحوّل العمل عن بُعد ونماذج العمل الهجين من حلول مؤقتة إلى توقعات أساسية لدى العاملين، ووسيلة فعالة للشركات للحفاظ على استمرارية الأعمال ورفع الروح المعنوية للموظفين.
إلا أن هذا المشهد بدأ يشهد تحولات واضحة مع دخول عام 2026، حيث لم يعد العمل المرن قاعدة مستقرة كما كان، بل أصبح أقرب إلى امتياز يخضع لإعادة تقييم ومراجعة مستمرة.
في الواقع، لم يكن العمل المرن مفهومًا جديدًا كليًا، إذ ظل متاحًا لسنوات طويلة لفئات محددة، غالبًا في المناصب القيادية والتنفيذية.
غير أن جائحة كوفيد-19 كسرت هذا الحاجز، وفرضت على المؤسسات تعميم نماذج العمل المرن على نطاق واسع، بما في ذلك الموظفون في الخطوط الأمامية بمراكز الاتصال.
وقد دعمت هذه التجربة دراسات متعددة أكدت أن الإنتاجية لم تتراجع، بل تحسنت في بعض الحالات، إلى جانب تحقيق توازن أفضل بين الحياة المهنية والشخصية للعاملين.
كما تبنت شركات عالمية كبرى وجهات حكومية هذا النهج، ما عزز قناعة الكثيرين بأن العمل المرن أصبح جزءًا أصيلًا من مستقبل العمل.
لكن مع نهاية عام 2023 وخلال عام 2024، بدأ الاتجاه يتغير تدريجيًا، حيث شرعت العديد من الشركات في إعادة فرق العمل إلى المكاتب، سواء بشكل جزئي أو كامل، تحت مبررات تتعلق بتعزيز التعاون المباشر، والحفاظ على ثقافة المؤسسة، أو تسهيل عمليات الرقابة وإدارة الأداء.
وبحلول عامي 2025 و2026، دخلت المؤسسات مرحلة ضبابية، لم تختفِ فيها المرونة تمامًا، لكنها لم تعد الخيار الافتراضي، بل أصبحت خاضعة لشروط وتبريرات، وكأنها استثناء لا قاعدة.
ورغم هذا التراجع العملي، شهد الإطار التشريعي في بعض الدول، وعلى رأسها المملكة المتحدة، تطورًا ملحوظًا لصالح الموظفين.
فاعتبارًا من أبريل 2024، أصبح من حق جميع العاملين طلب ترتيبات عمل مرنة منذ اليوم الأول للتوظيف، مع السماح بتقديم طلبين سنويًا، وإلزام أصحاب العمل بالرد خلال مدة زمنية أقصر مما كان معمولًا به سابقًا.
وقد شكّل هذا التطور القانوني نوعًا من التوازن في مواجهة التراجع المؤسسي عن تبني المرونة.
داخل مراكز الاتصال تحديدًا، كانت تجربة العمل المرن خلال الجائحة ناجحة على عدة مستويات، حيث انخفضت معدلات الغياب، وارتفعت مستويات الرضا الوظيفي، واتسعت قاعدة التوظيف لتشمل فئات لم تكن قادرة سابقًا على العمل بنظام الحضور الكامل، مثل أولياء الأمور ومقدمي الرعاية وسكان المناطق البعيدة عن المدن الكبرى.
ومع ذلك، بدأت العديد من مراكز الاتصال في تقليص هذه النماذج، إما بفرض العودة الكاملة للمكاتب أو بتشديد القيود على العمل عن بُعد، بدعوى حماية أمن البيانات، أو صعوبة إدارة الأداء، أو الحفاظ على “روح الفريق”، وهي مبررات تبدو منطقية ظاهريًا، لكنها تعكس في جوهرها رغبة متزايدة في فرض السيطرة، بعد سنوات من الاعتياد على قدر أكبر من الاستقلالية.
ولا يمكن إنكار أن العمل المرن يحمل في طياته تحديات حقيقية، خاصة في بيئة تعتمد على معايير دقيقة للأداء وجودة الخدمة مثل مراكز الاتصال.
إلا أن التجارب العملية تشير إلى أن فوائده غالبًا ما تفوق سلبياته، لا سيما لدى المؤسسات التي تتعامل معه كخيار استراتيجي منظم، وليس كاستجابة مؤقتة أو تنازل اضطراري.
ورغم ذلك، لا يزال الجدل قائمًا، مدفوعًا بعوامل تتعلق بثقافة الإدارة التقليدية، واعتماد بعض القيادات على نماذج عمل مألوفة تشكلت عبر عقود طويلة قبل الجائحة.
في هذا السياق، يبدو أن المشكلة الأساسية لا تكمن في فعالية العمل المرن بقدر ما تكمن في طريقة النظر إليه.
فطالما ظل يُعامل باعتباره تنازلًا للموظف، وليس أداة لتعزيز الكفاءة والاستدامة، ستظل المؤسسات مترددة في تبنيه بشكل كامل.
ومع اشتداد المنافسة على الكفاءات وارتفاع معدلات دوران العمالة في قطاع مراكز الاتصال، يصبح تجاهل المرونة مخاطرة حقيقية، قد تؤثر سلبًا على القدرة على التوظيف والاحتفاظ بالخبرات.
وفي المحصلة، لا يمكن القول إن العمل المرن في طريقه إلى الاختفاء داخل مراكز الاتصال، لكنه يمر بمرحلة إعادة تعريف.
فالمرونة لم تعد شعارًا عامًا أو حلًا واحدًا يناسب الجميع، بل خيارًا يتطلب تخطيطًا، واستثمارًا في التكنولوجيا، وتغييرًا في أساليب القيادة والإدارة.
وبينما تعود بعض المؤسسات خطوة إلى الوراء، تدرك أخرى أن مستقبل العمل في هذا القطاع لن يُبنى على الحضور الإجباري وحده، بل على مزيج متوازن من الثقة، والمرونة، والنتائج القابلة للقياس.



