كيف تصنع الشركات ثقة العملاء في بيئة رقمية معقدة؟
مع انتقال الجزء الأكبر من تفاعلات العملاء إلى القنوات الرقمية، أصبح بناء الولاء والحفاظ عليه مهمة أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
لم يعد كافيًا تقديم خدمة سريعة فقط، بل بات العملاء يتوقعون تجربة متكاملة، مرنة، وسلسة، تعكس فهمًا حقيقيًا لاحتياجاتهم وتفضيلاتهم.
وفي هذا السياق، قدّم عدد من خبراء التكنولوجيا وتجربة العملاء رؤاهم حول أفضل السبل لتحقيق ولاء العملاء في عالم رقمي متغير.
يرى يورجن هيكنك، رئيس تسويق المنتجات في AnywhereNow، أن نقطة البداية الحقيقية لبناء الولاء هي حرية الاختيار.
فالعملاء اليوم يريدون التواصل بالطريقة التي تناسبهم، سواء عبر الهاتف، أو الدردشة، أو البريد الإلكتروني، أو منصات التواصل الاجتماعي، مع الحصول على نفس مستوى الخدمة السريعة والفعالة في جميع القنوات.
وتلعب الأنظمة الذكية، مثل التوجيه الآلي والمساعدات الافتراضية، دورًا مهمًا في تقليل وقت الانتظار وحل الاستفسارات البسيطة فورًا، مع تصعيد الحالات المعقدة بسلاسة إلى موظفين بشريين، ما يخلق تجربة متناسقة وشخصية تعزز الثقة والاعتماد على العلامة التجارية.
من جانبه، يحذر سايمون أدنيت، نائب رئيس المبيعات في Enghouse Interactive لمنطقتي المملكة المتحدة والشرق الأوسط وأفريقيا، من خطأ شائع تقع فيه العديد من الشركات، وهو افتراض أن العملاء يفكرون ويتحدثون بنفس لغة المؤسسة.
فلكل قطاع مصطلحاته واختصاراته، بينما قد لا يتعامل العميل مع الشركة سوى مرة أو مرتين سنويًا، لذلك، من الضروري دراسة كيفية تعبير العملاء عن احتياجاتهم، وكيف يسمّون المنتجات والخدمات، ثم بناء مسارات التفاعل بناءً على لغتهم هم، وليس لغة المؤسسة. هذا الفهم المشترك هو أحد المفاتيح الأساسية لكسب الولاء.
أما لويس غالاغر، كبير مستشاري الحلول في Netcall، فيؤكد أن إدارة توقعات العملاء تمثل قاعدة ذهبية لتعزيز الولاء.
فالأمور لا تسير دائمًا على ما يرام، لكن التواصل الاستباقي والشفافية بشأن ما يمكن توقعه، سواء كان جيدًا أو سيئًا، يبني الثقة ويقلل من الإحباط.
ويضيف أن الاعتماد على حلول متكاملة أفضل من استخدام أدوات منفصلة قد تخلق تجربة مجزأة.
كما يشدد على أهمية تكامل منصات مراكز الاتصال السحابية مع بيانات الأعمال، لما لها من دور في تقديم تجارب مخصصة، مع ضرورة تبسيط البنية التكنولوجية عبر منصات منخفضة الكود لتقليل التعقيد والتكاليف.
ويؤكد جوناثان “كينو” إسكوبيدو، مدير نجاح العملاء في MiaRec، أن التكنولوجيا مهما تطورت، يظل العنصر البشري هو الأساس في بناء الولاء.
فموظفو خدمة العملاء هم الواجهة الحقيقية للعلامة التجارية، ويحتاجون إلى أدوات حديثة مثل التدريب المدعوم بالذكاء الاصطناعي وقواعد المعرفة الذكية لتقليل الاحتكاك وتحسين سرعة ودقة الرد.
كما أن الاستثمار في تدريبهم على التعاطف ومهارات التواصل وحل المشكلات ينعكس مباشرة على جودة التجربة المقدمة للعملاء.
وفي السياق نفسه، يشير بن ويلموت، مستشار الحلول الرئيسي في Route 101، إلى أهمية جعل العودة إلى الشركة أسهل من البحث عن بديل آخر.
فكما يفضل العملاء الشراء من منصات مثل أمازون بسبب سهولة الإجراءات، يتوقعون نفس السلاسة في خدمات ما بعد البيع والدعم.
ويؤكد أن الأساسيات يجب أن تعمل بكفاءة شبه كاملة، سواء في الخدمة الذاتية أو الشات بوت، قبل إضافة أي عناصر مبتكرة تهدف إلى “إبهار” العميل.
أما مارتن تايلور، الشريك المؤسس ونائب الرئيس التنفيذي لشركة Content Guru، فيرى أن الثقة تُبنى من خلال نبرة التواصل والمصداقية، حتى في البيئات الرقمية.
فسواء كان التفاعل صوتيًا أو نصيًا، يجب أن تعكس اللغة المستخدمة الاتساق والصدق، ويوضح أن التكنولوجيا قادرة على دعم هذا الاتساق عبر القنوات المختلفة دون إلغاء الطابع الإنساني لكل موظف، وهو ما يفسر قدرة بعض المؤسسات عالية الأتمتة على تحقيق معدلات رضا مرتفعة.
من زاوية أخرى، يدعو ماثيو كلير، نائب رئيس تسويق المنتجات في UJET، إلى تجاوز مفهوم تحسين التفاعلات فقط، والتركيز على منع الحاجة إلى التواصل من الأساس.
فالولاء الحقيقي يتحقق عندما تتمكن الشركات من التنبؤ بالمشكلات ومعالجتها قبل أن يشعر بها العميل، وذلك عبر تحليل بيانات المحادثات والمراجعات باستخدام الذكاء الاصطناعي، وتحويلها إلى قرارات عملية تقلل من معدلات فقدان العملاء وتعزز قيمة العلاقة طويلة الأمد.
ويؤكد بن نيو، رئيس مبيعات مراكز الاتصال وتجربة العملاء في Zoom لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، أن الولاء في العالم الرقمي يقوم على معادلة دقيقة بين الأتمتة واللمسة الإنسانية.
فحين يتم تصعيد التفاعل من شات بوت إلى موظف بشري، يجب ألا يُطلب من العميل إعادة شرح مشكلته، بل ينبغي أن ينتقل السياق بسلاسة، مع وجود موظف يفهم الخلفية الثقافية والمحلية للعميل.
وفي السياق ذاته، يرى غاري نيكسون، الشريك المؤسس لشركة Callytics، أن بناء الولاء لا يعتمد فقط على سرعة الرد، بل على الاستماع العميق.
فالمكالمات المسجلة غالبًا لا يتم تحليلها بشكل كافٍ، ما يؤدي إلى ضياع رؤى مهمة حول مشاعر العملاء واحتياجاتهم غير الملباة.
ويؤكد أن تحليل هذه المحادثات على نطاق واسع يوفر فهمًا حقيقيًا يقود إلى تحسين التجربة بشكل مستدام.
وتوضح ميشيل كيلي، خبيرة قطاع التجزئة في 8×8، أن الخدمة الذاتية تمثل أداة قوية لبناء الولاء، بشرط أن تكون فعالة وسلسة.
فالعملاء يفضلون حل المشكلات البسيطة بأنفسهم، لكنهم يتوقعون انتقالًا سريعًا وسلسًا إلى الدعم البشري عند الحاجة، دون فقدان للسياق أو تكرار للمعلومات.
من جانبها، تؤكد زينب أحمد، مديرة التسويق في Peopleware، أن العملاء باتوا ينتقلون بين القنوات بسهولة، وقد تبدأ رحلتهم بالخدمة الذاتية وتنتهي بمكالمة هاتفية.
وهنا تظهر أهمية استراتيجيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، التي تتيح تخصيص التفاعل وتحرير وقت الموظفين للتركيز على الدعم الإنساني ذي القيمة العالية.
لكنها تشدد على أن التكنولوجيا وحدها لا تصنع الولاء، بل الطريقة التي يُعامل بها العميل.
وأخيرًا، ترى تارا ألدريدج، مديرة الخدمات الاستراتيجية في Vonage، أن ولاء العملاء لم يعد يُبنى على تفاعل واحد مثالي، بل على تجربة متصلة ومتسقة عبر جميع نقاط الاتصال.
فالجمع بين الأتمتة الذكية، والرؤى اللحظية، والتواصل الإنساني المتعاطف، هو ما يصنع تجارب سلسة يشعر فيها العميل بالراحة، وهي العامل الحاسم في عودته مرة بعد أخرى.



