نشرة “تعهيد” في بلاد “الهند”
كان لنشرة “تعهيد” فرصة التواجد في الهند على مدار ثمانية أيام، في تجربة ميدانية أتاحت لنا الاقتراب عن كثب من واحدة ضمن أهم البيئات العالمية لصناعة التعهيد ومراكز الاتصال.
وخلال هذه الزيارة، كان الفضول المهني حاضرًا بقوة لمعرفة كيف نجحت مدينة “تشيناي”، عاصمة ولاية تاميل نادو وخامس أكبر مدينة هندية من حيث عدد السكان، في جذب شركات عالمية كبرى في مقدمتها شركة «ساذرلاند» وغيرها من اللاعبين الدوليين، وكيف استطاعت الهند بوجه عام أن تفرض نفسها كقوة رئيسية في سوق التعهيد العالمي.
التجربة كانت ثرية على المستويين المهني والإنساني، حيث لم تقتصر الزيارة على رصد نماذج الأعمال والبنية التحتية فقط، بل امتدت إلى متابعة أنماط الحياة اليومية لسكان المدينة، وعاداتهم، وطبيعة المجتمع الذي يشكل العمود الفقري لهذه الصناعة كثيفة العمالة.
وتُعد تشيناي اليوم واحدة من أبرز الوجهات العالمية لخدمات التعهيد وإدارة مراكز الاتصال ضمن منظومة خدمات الأعمال وتكنولوجيا المعلومات BPO وITeS.
وتستقطب المدينة شركات عالمية كبرى بفضل توافر موارد بشرية مؤهلة، وبنية تحتية تقنية متطورة، إلى جانب تكلفة تشغيل تنافسية مقارنة بمدن هندية أخرى مثل بنغالور ومومباي.
قوة بشرية تقود النمو
أحد أبرز عوامل الجذب في تشيناي يتمثل في القوة العاملة الشابة والمتعلمة، فالمدينة تضم عددًا كبيرًا من الجامعات والمعاهد التقنية التي تخرج آلاف الطلاب سنويًا، يتمتعون بمهارات جيدة في اللغة الإنجليزية، واستخدام التكنولوجيا، وخدمة العملاء.
هذا المخزون البشري الضخم يوفر لشركات مراكز الاتصال والتعهيد قاعدة واسعة من الكفاءات القابلة للتدريب السريع، وهو ما يفسر استمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى المدينة.

كما يتميز العاملون في هذا القطاع بمرونة عالية في التعامل مع الأسواق العالمية المختلفة، سواء من حيث فروق التوقيت أو تنوع الثقافات، وهو عنصر بالغ الأهمية في صناعة تعتمد في جوهرها على التواصل المباشر مع العملاء حول العالم.
بنية تحتية تكنولوجية داعمة
على صعيد البنية التحتية، تمتلك تشيناي بيئة أعمال متقدمة تضم عددًا من المناطق والمجمعات التكنولوجية الكبرى، من بينها TIDEL Park وDLF Cybercity، والتي توفر مساحات مكتبية مجهزة بأحدث التقنيات وتخدم شركات محلية وعالمية على حد سواء.
وتكتسب المدينة أهمية إضافية لكونها إحدى نقاط هبوط الكابلات البحرية في الهند، وهو ما يعزز من جودة وسرعة الاتصال الدولي، ويمنح شركات التعهيد ميزة تنافسية في تقديم خدمات مستقرة وموثوقة للأسواق الخارجية، خاصة في أوروبا وأمريكا الشمالية والشرق الأوسط.

تكلفة تشغيل تنافسية
تلعب التكلفة دورًا محوريًا في قرارات شركات التعهيد عند اختيار مواقع التشغيل، وفي هذا السياق، توفر تشيناي ميزة نسبية واضحة، إذ تُعد تكاليف الإيجارات والأجور والخدمات أقل مقارنة ببعض المدن الهندية الكبرى الأخرى.
هذا التوازن بين الجودة والتكلفة يسمح للشركات بتحقيق كفاءة تشغيلية عالية دون المساس بمستوى الخدمة المقدمة.
تنوع الخدمات واتساع نطاقها
ولا تقتصر خدمات التعهيد في تشيناي على الرد على المكالمات الهاتفية فقط، بل تشمل نطاقًا واسعًا من الخدمات ذات القيمة المضافة.
وتشمل هذه الخدمات الدعم الفني وخدمة العملاء، والمبيعات والاستشارات الهاتفية، إلى جانب الدعم متعدد القنوات الذي يشمل الهاتف، والبريد الإلكتروني، والدردشة الفورية، ومنصات التواصل الاجتماعي.
كما تستضيف المدينة عمليات خلفية متقدمة مثل إدخال البيانات، ومعالجة الطلبات، وإجراءات التعرف على العملاء، وإدارة أنظمة علاقات العملاء، فضلًا عن تقديم خدمات متخصصة لقطاعات حيوية مثل التجارة الإلكترونية، والرعاية الصحية، والخدمات المصرفية والمالية، واللوجستيات، والعقارات.
شركات عالمية وحضور متنام لمراكز القدرات
وتحتضن تشيناي عددًا من كبرى شركات التعهيد العالمية، من بينها ساذرلاند و Tata Consultancy Services وInfosys BPM وWipro BPO وCognizant، إلى جانب شركات عالمية أخرى تتخذ من المدينة مقرًا لعملياتها الخلفية والتحليلية.

وخلال السنوات الأخيرة، شهدت تشيناي نموًا ملحوظًا في مراكز القدرات العالمية، وهي وحدات تشغيلية متقدمة تركز على تقديم خدمات عالية القيمة تتجاوز المفهوم التقليدي للتعهيد.
وتشير المؤشرات إلى أن هذه المراكز أصبحت تستحوذ على أكثر من نصف المساحات المكتبية المؤجرة في المدينة، في دلالة واضحة على التحول نحو أنشطة أكثر تعقيدًا وارتباطًا بالتحول الرقمي.
التكنولوجيا والعمل الهجين
تواكب شركات التعهيد في تشيناي التطورات التكنولوجية المتسارعة، حيث تستثمر بشكل متزايد في تقنيات الذكاء الاصطناعي، والأتمتة، والتحليلات الرقمية، بهدف تحسين الكفاءة التشغيلية وتقليل الاعتماد على العمليات اليدوية.
كما أدى انتشار نماذج العمل الهجين بعد جائحة كورونا إلى توسيع نطاق التوظيف وزيادة مرونة التشغيل.
تأثير اقتصادي واسع
ولا يقتصر أثر صناعة التعهيد على الشركات والعاملين بها فحسب، بل يمتد ليشمل الاقتصاد المحلي بأكمله.
إذ تسهم هذه الصناعة في خلق مئات الآلاف من فرص العمل، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتحفيز قطاعات داعمة مثل العقارات، والنقل، والفنادق، والخدمات اللوجستية، ما يعزز من مكانة تشيناي كمدينة محورية في خريطة الاقتصاد الرقمي العالمي.
التجربة الهندية ملهمة، ومصر على خطى الهند في طريقها لحجز مقعد رئيسي ضمن الوجهات الأكثر جذبًا لاستثمارات الشركات العالمية.



